مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
254
شرح فصوص الحكم
العناية الإلهية قد سبقت عليه بخلاف سلام عيسى على نفسه فإنه وإن كان أرفع للالتباس الواقع في العناية الإلهية في حق أمه لأنه أحد الشاهدين في براءة أمه فلا يدخل الاحتمال من هذا الوجه أصلا لكنه ليس كذلك في حق نفسه لدخول الاحتمال الوهمي في حق نفسه فكان كلام عيسى في حق أمه أرفع للالتباس وفي حق نفسه رافع الالتباس لذلك قال فسلام الحق على يحيى أرفع للالتباس ( من سلام عيسى عليه السلام على نفسه وإن كانت قرائن الأحوال تدل على قربه ) أي على قرب عيسى ( من اللّه في ذلك ) الوقت ( و ) تدل على ( صدقه ) فيما به نطق ( إذ نطق في معرض الدلالة على براءة أمه في المهد فهو أحد الشاهدين ) فلا يستوي كلامه مع كلام الحق في رفع الالتباس بوجود هذه القرائن لأنه لما كان هذا الكلام منه بإشارة أمه لم يخلص عن دخول الاحتمال وهو عدم الالتفات إلى ما نطق به مع ثبوت براءة أمه به ( والشاهد الآخر ) على براءة أمه ( هز ) المريم ( الجذع ) أي النخلة ( اليابس فسقط رطبا جنياًّ من غير فحل ولا تذكير كما ولدت مريم عيسى عليه السلام من غير فحل ولا ذكر ولا جماع عرفي معتاد ) فكان حال الشاهد حال المشهود له ( لو قال نبيّ آيتي ومعجزتي أن ينطق هذا الحائط فنطق الحائط وقال في نطفة تكذب ما أنت رسول اللّه لصحت الآية وثبت بها أنه رسول اللّه ولم يلتفت إلى ما نطق به الحائط فلما دخل هذا الاحتمال في كلام عيسى بإشارة أمه إليه وهو في المهد كان سلام اللّه على يحيى أرفع ) للالتباس ( من هذا الوجه ) أي من وجه دخول احتمال في كلام عيسى وعدم دخوله في كلام الحق فلو لم يكن هذا الكلام منه بإشارة أمه ولم يكن في معرض الدلالة على براءة أمه لم يدخل هذا الاحتمال ( فموضع ) أي متعلق ( الدلالة أنه عبد اللّه ) في قوله إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ ( من أجل ما قيل فيه أنه ابن اللّه وفرغت أي تمت الدلالة بمجرد النطق ) وهو قوله إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ إذ قراره يثبت عبوديته وينتفي ما قيل في حقه أنه ابن اللّه ( وأنه عبد اللّه عند الطائفة الأخرى القائلة بالنبوة ، وبقي ما زاد في حكم الاحتمال في النظر العقلي حتى ظهر في المستقبل ) عند نزوله ( صدقه ) أي صدق عيسى ( في جميع ما أخبر به في المهد فتحقق ما أشرنا إليه ) من أسرار الكلامين الذين في حق عيسى ويحيى عليهما السلام . فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية « 1 » ولما كان أظهر مالكية الحق في وجود زكريا عليه السلام إذ أخذه بالشدة لأن المليك
--> ( 1 ) يختلف هذا الفص عن غيره من فصوص الكتاب في أنّه لا ذكر فيه ، إلا في العنوان ، للنبي الخاص الذي تنسب إليه الحكمة . وقد جرت العادة عند المؤلف في الفصوص الأخرى أن يجعل محور كلامه في كل فص حول مناقشة بعض الآيات القرآنية الواردة في حق النّبي المنسوب إليه حكمة الفص ، وأن يشرح على لسان النبي الموضع الحديث أسرار الحكمة التي يريد شرحها .